علي البخيتيعلي البخيتي

"عزك الله" المرأة والكلب والحذاء في اليمن على قدم المساواة عند الرجل


نعم ستطول الحرب؛ فالعوامل المسببة لها ليست محصورة بالخلافات والصراعات السياسية والطائفية فقط؛ هناك ما هو أعمق وأخطر من ذلك؛ ما يجعل الحرب مستدامة في اليمن منذ عقود؛ وغير قابلة لوضع نهاية واضحة لها؛ هناك وعي عنصري عميق لدى الغالبية العظمى من المواطنين؛ عميق لدرجة يصعب فيها ان تجد من تمكن من الخروج من ذلك المستنقع.

العنصرية في اليمن مركبة؛ وهي الأصل؛ والمساواة استثناء؛ والمشكلة ان الغالبية لا يلاحظون بل وأحياناً لا يفهمون ذلك ألداء؛ وان شرحت لهم يصرون على ان تلك ليست عنصرية؛ بل دين وقيم وتكريم لتلك الفئات التي يحتقرونها ويتعاملون معها بتمييز فج وفاضح لو تعامل احدهم به في دولة أوربية لأدخلوه السجن او عاقبوه؛ وان كان في مرحلة منحه الجنسية لتم حرمانه منها بسبب معتقداته العنصرية تلك.

هناك عنصرية طبقية؛ وعنصرية مهن؛ وعنصرية مناطقية؛ وعنصرية عرقية؛ وعنصرية لون البشرة ضد أبناء السواحل؛ وأشكال أخرى من العنصرية يصعب حصرها هنا؛ والأهم والأخطر والأوسع انتشاراً هو العنصرية ضد نصف المجمتع؛ وأعني به العنصرية ضد المرأة؛ وهو موضوع مقالتي اليوم؛ من سلسلة مقالات حول العنصرية في اليمن.

استطيع أن أجزم بالقول أن العنصرية ضد المرأة في اليمن ثقافة مجتمعية أصيلة ناتجة عن الموروث الديني والعادات والتقاليد المتوارثة؛ مع ان هناك مراحل حكمت فيها المرأة اليمن؛ كالملكة بلقيس وأروى بنت احمد الصليحي؛ وكان هذا يعد تطور كبير سبقنا فيه حتى دول أوربية عريقة؛ لكن كم العنصرية الحالية ضد النساء يجعلنا نشك حتى في ذلك التاريخ؛ او نتصور انه مجرد خرافات وأساطير حولها البعض لتاريخ؛ فالانحدار الذي حدث بعد الدولة الصليحية مريع وغريب فيما يتعلق بحقوق المرأة والعنصرية ضدها.

لا أريد ان اطيل عليكم؛ فعالم وشباب اليوم لا يحبذون المقالات الطويلة؛ لذلك سأسرد لكن بعض الممارسات العنصرية الصادمة ضد المرأة في اليمن؛ ويمكن لكم اضافة ما تلحظونه من ممارسات عنصرية ضدها لم أتطرق لها في تعليقاتكم؛ لنعيد اكتشاف أنفسنا؛ ولكي نفهم لما نحن في ذيل الأمم؛ ولما حروبنا لم تنقطع قط منذ عقود؛ فالعنصرية بكل اشكالها تنتج موجة كراهية وصراعات وحروب لا أول لها من آخر؛ ولا يدرك الكثير أن العنصرية محرك أساسي لها؛ فجماعة الحوثي مثلاً وحروبها وكل الكوارث التي ارتكبتها بحق اليمن واليمنيين قائمة على أساس عنصرية عرقية "الهاشمية السياسية" التي بموجبها يرون انهم احق بالحكم عرقياً وبموجب نصوص دينية عن "البطنين" و "ولاية الأمر" وهنا ليس مكان تفصيل ذلك؛ احببت فقط المرور عليه لأذكركم ان العنصرية بكل أشكالها هي سبب كل مصائبنا؛ وبالأخص العنصرية التي لها تأصيل ديني.

سأبدأ بنماذج للعنصرية ضد المرأة في مناطقنا؛ قد تكون عامة في اليمن وقد تكون خاصة؛ وفي الردود على مقالتي سنكتشف ذلك.

الكثير من اليمنيين عندما يتحدثون عن زوجاتهم او بناتهم او امهاتهم يقولوا "عزك الله" بعد ذكر إحداهن؛ مثلاً يقول "أخذت المرة للمستشفى عزك الله"؛ ونفس الصيغة يتحدثون بها عن الحيوانات كالكلب او عند ذكر الجزمة او ما شابه من الأشياء التي يحتقرونها.

كما يتم التعامل ما النساء كسلعة؛ وتوضع تسعيره لمهرهن كما توضع تسعيرة للمواشي؛ وهذا الامر لم يقتصر على سلطة الحوثيين مؤخراً؛ هناك اتفاقات في كثير من المناطق تحدد سعر المرأة؛ ولذلك نجد ان الزواج والطلاق بعدها امر يسير؛ لسهولة تحمل الرجل التكاليف؛ الامر هنا تكلفة مادية؛ لا علاقة مع انسان قائمة على الحب الاحترام والتقدير؛ لذلك يقال في بعض المناطق المرأة كـ "الحذاء"؛ لسهولة استبدالها؛ اضافة الى انه يتم مقايضة النساء كالسلع عبر زواج يعرف عندنا بـ "الزقار" او "الشغار"؛ ومعناه تزوجني أختك وأزوجك اختي؛ أو تزوج ابني ببنتك وازوج ولدك ببنتي؛ او ما شابه؛ ولا يؤخذ برأي البنت مطلقاً؛ اضافة الى ان هناك من يهدي بنته او اخته لآخر؛ للتقرب منه وبالأخص اذا كان صاحب جاه أو سلطة او ثروة؛ او هي تهدي نفسها تحت مسمى "هبة" او "وهبت نفسها"؛ كما ان ذكر اسم المرأة عيب؛ سواء كانت ام او زوجة او اخت او بنت؛ ويُنظر لها كعورة فقط؛ يجب تغطيتها بكاملها كما يتم تغطية عورة الرجل.

كما انه لم يسمح للمرأة بالتعليم والتوظيف الا عندما ضاقت الأحوال الاقتصادية وليس إيماناً بحقوق المرأة؛ حتى التصويت في الانتخابات يتم التعامل مع المرأة كتابع وكقطيع غنم مع الزوج وحزبه؛ ويجمعوا بطائقهن الانتخابية ويحسبوا اصواتهم معهم ومع احزابهم دون التوافق معهن؛ والكثير من الحقوق التي يظهر انها مُنحت للمرأة كانت ناتجة عن حاجة الرجل لها لا إيماناً بالمواطنة المتساوية؛ ويبقى هو المتحكم فيها غالباً؛ حتى ان البعض يستلم مرتب زوجته ويتصرف فيه كيفما يشاء.

لا يفهم الكثير ان اول معاني المواطنة المتساوية هو ان تساوي تماماً وبدون زيادة أو نقصان بين نفسك وزوجتك؛ وبنتك وابنك؛ وكما تفتخر بابنك وتظهر معه افتخر ببنتك ولا تمانع من الظهور معها ان رغبت في ذلك؛ وعندما يأتي احد لطلب يدها يكون الرأي لها؛ وبقية الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها الذكر يجب ان تتمتع بها الأنثى.

نحن مستمرون في وأد البنات لكن بأسلوب مختلف عما كان سائد في ما قبل القرن الاول الهجري.

سيأتي البعض ويحتج بالدين والقرآن والسنة وكل الموروث الديني؛ ولهؤلاء نقول: أنتم بين خيارين؛ إما ان الدين الذي تؤمنون به عنصري وغير جدير بالاتباع لانه لا يتوافق مع العصر؛ أو أن فهمكم له قاصر ومغلوط؛ وانتم لا تعبرون عنه بتخلفكم وفهمكم العنصري ذلك ونظرتكم حيال المرأة؛ فالبنسبة لنا كمسلمين لا نجد تعارض بين الاسلام وحقوق المرأة؛ وكل النصوص التي تتعارض مع تلك الحقوق؛ بما فيها الآيات القرآنية؛ مثل "وقرن في بيوتكن"؛ لها تأويلات مختلفة ومحكومة بزمانها ومكانها والعادات التي كانت سائدة في ذلك العصر؛ وليست ملزمة لنا اليوم؛ (وهذا ليس رأيي لوحدي بل رأي الكثير من الفقهاء المعتبرين)؛ فما هو ملزم للجميع هو القيم والمبادئ الأساسية التي نادى بها الاسلام والمتسقة مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي وقعته وأقرته دولنا وحكوماتنا ومجالس نوابنا؛ والقيم والأخلاق التي يؤمن بها كل البشر؛ كالصدق والخير والعدالة والمواطنة المتساوية والحق في التعليم والحياة الكريمة لكل المواطنين؛ وما عداها لا يلزم أحد.


*من صفحة الكاتب على موقع "فيسبوك"

Powered by Froala Editor


قرائة المقال من عين العرب

عين العرب -

منذ 3 أشهر

-

60 مشاهدة

مقالات ذات صلة

Who is Abdul Majid Al-Zindani

عين العرب

منذ 3 أسابيع

-

49 مشاهدة